Showing posts with label محمد المخزنجي. Show all posts
Showing posts with label محمد المخزنجي. Show all posts

Wednesday, August 29, 2007

أسماك فضية صغيرة


لم يخبر أحداً بما هو مقبل عليه ، إنه يغوص على مسئوليته هذه المرة ، بعيداً عن مهمات غواصة الأبحاث ذات الحوائط الزجاجية الكاشفة التى تتبع المعهد الذى ينتمى إليه ، وبعيداً عن الغطس العادى الذى يمارسه كهواية ، وهو يغوص الآن بلا بذلة مطاطية ولا قناع ولا أنبوب أوكسجين ، يغوص بأدوات أجداده البسيطة التى كانوا يستخدمونها فى استخراج اللؤلؤ ، قبل أن ينبثق النفط ، مجرد مشبك يغلق فتحتى الأنف ، وجسد يخبئ شهقة عميقة من هواء الدنيا يتزود بها فى رحلته تحت الماء ، ثم يطلقها زفيراً مدبراً إلى أقصى حدود التدبير حتى تنتهى الغطسة . لم يضف شيئاً غير نظارة بسيطة ، مما يستخدمه الأطفال وهواة الغوص اليسير ، تجلو له المنظر تحت الماء ، ولأنه توقع أن يكون مجال الرؤية معتماً بفعل غطاء آلاف آلاف الأسماك الميتة الطافية على السطح ، فقد تزود بكشاف قوى الإضاءة يعمل تحت الماء .
«يا خليج .. يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى» ردد شطرة الشعر البعيدة ، من القصيدة التى تناءت فى ذاكرته حتى ظن أنه نسيها للشاعر الذى لم يحب شاعراً مثله . وأخذ يتلمس مقاطع القصيدة بلا صوت وهو يمسح ببصره «جونة الخليج» واربداد الأفق وراءها .. أين ساحة المياه الشفيفة ، الساجية ، التى كانت تريح الأبصار وتهدهد النفوس ، أين تناغم شهبة الرمال وفيروزية الماء وزرقة السماء الخفيفة القريبة من الروح ؟ لم يبصر غير رمادية حاملات الطائرات والبوارج الغريبة التى تحتشد فى قوس الأفق ، تحت سماء مثل رصاص مصهور ، سحب بصره وئيداً ليمسح بالأسى غطاء الأسماك الكميتة التى باتت تغطى مياه الجونة كلها ، موات مقبض ومفزع ، كارثة تتكرر للعام الثالث بفداحة أكثر ، وهو لم يقتنع أبداً بما انتهت إليه التقارير التى زعمت تفسير أسبابها .
خطا بقدميه العاريتين مخوضاً فى مياه الساحل ، وكانت ساخنة ولزجة وسرعان ما صارت ساقاه محاطتين بغطاء من الأسماك الميتة . انحنى واغترف بين كفيه حفنة من هذه الأسماك ، قربها من وجههه ، وأدرك أنها جميعاً من أسماك الميد الصغيرة الرقيقية التى وضح أنها أكثر من تأثر بالجائحة . دائماً ما كان يحب هذه الأسماك البسيطة ، بغزارتها الخصبة ، وتعلقها بالضوء والهواء ، مما حتم عليها أن تعيش فى الطبقات القريبة من سطح مياه الخليج . وهى التكأئة نفسها التى بنوا عليها تفسير أسباب الكارثة . قالوا إنه «المد الأحمر» الناتج من تكاثر الهائمات النباتية ثنائية الهدبيات ذات اللون الأحمر ، بفعل ارتفاع حرارة الماء المفرط تحت شمس الخليج اللاهبة ، وهو ما يجعل المياه ضاربة إلى الحمرة ، ومشحونة بسموم ثنائية الهدبيات التى تميت الأسماك وتصيب البشر بالإسهال والشلل إن أكلوا من هذه الأسماك . لم يقنعه هذا التفسير ، ولم يكن لديه ما يقوله ، فى غيبة البراهين والقرائن .. العلمية ؟! .
أوغل فى المياه حتى وسطه ، وصار مرشوقاً فى غطاء الأسماك الميتة التى أكد قربها من بصره أنها بالفعل من أسماك الميد . شعر بسخونة الماء تصعد على صدره نحو رقبته ، وفكر فى تهافت «التقرير العلمى» الذى شارك فيه «الخبراء الأجانب» فسخونة الماء المعتادة ، والخليج لم يكف عن التلظى بشمس الصيف الحارقة منذ عشرات ومئات السنين ، ولم يظهر الوباء البحرى على هذا النحو أبداً . هناك سبب آخر ، ردد ذلك فى داخله وهو يخرج يديه من تحت الماء ليحكم المشبك حول منخاريه ونظارة الماء حول عينيه . وكانت حقول الميد الميت على سطح الخليج ، ورمادية حاملات الطائرات والبوارج المحتشدة على قوس الأفق ، هى آخر ما رآه قبل أن يغطس .
كانت عتمة ، ولم ير أى ميل إلى الحمرة فى مساقط الضوء المتسلل من الفرج الضئيلة بين تجمعات الأسماك الميتة على السطح . وعندما أشعل ضوء الكشاف لم يجد للماء خضرة ولا زرقة ، بل اعتكاراً رمادياً جعل المرئيات فى مجال بصره وكأنها تظهر عبر زجاج ردىء الشفافية ، لكنه بخبرة الباحث الميدانى المخضرم فى مياه الخليج كان يستطيع أن يحدد ما يراه أمامه : هياج من الأسماك الصغيرة وسط مياه تتقلب فيها جزيئات دقيقة من نفايات رمادية تجعل الماء يبدو كما لو كان يغلى برغم برودته النسبية بعيداً عن السطح . وبالتحديق ملياً فى هذا الهياج ، اكتشف أن هذه الأسماك الصغيرة المضطرمة لم تكن سوى أسماك الميد وهى تهاجم بعضها بعضا فى سعار هو أبعد ما يكون عن السلوك المعتاد لهذه الأسماك الصغيرة الوديعة ، كانت فى حالة افتراس عشوائي متبادل . والأغرب أن حشوداً من هذه الأسماك كانت تنفق من تلقاء نفسها ، ربما بفعل القضمات التى كانت تمتلئ بها فتموت بموازاة موت الأسماك المقضومة .
وبينما كان ينفث آخر زفرة مما اختزنه صدره من هواء ، امتلأت مساحة الماء أمام بصره بفقاعات غيمت الرؤية ، وأحس بارتعاب أن آلاف الكلابات المنمنمة الحادة تمزق ما يستره ، وتنهش جلده العارى .